السلفيون المصريون
ثقافية -اجتماعية -دينية -خدمية

 

 

مبحث حول

 

 

 

جمع وترتيب

أبو عبد الله احمد السيد السلفي القورصي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

#

 

 
 

 

 

إن الحمد لله نحمده , ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا من يهده الله ؛ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ,  ورسوله , وصفيَّه من خيرة خلقه , وحبييه r ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ))

((يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا {70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))       

ألا وان أصدق الحديث كتاب الله تعالي , وخير الهدي هدي محمد  rوشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعه وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة في النار ، أما بعد ،

فقد قمت مستعينا بالله في هذا المبحث الصغير بجمع ما ورد في مسألة  قضاء المظالم في العصر الأموي  جامعاً مادته بدءا بحالة الانشقاق التي لحقت بالخلافة الأموية حينذاك والصراعات  التي جرت فصدعت حصن الأمة  في ذلك الحين ، واختصرتُ موضوعه غيرَ مُخِلّ ، وحيث إنَّ كلام السلف قليل كثير البركة فقد أوجزت فيه و اسأل الله أن يأجرني عن جمعي لهذه المادة و أن يجعلها نافعةً لقارئها وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

                                     أبو عبدالله  احمد السيد السلفي الأثري  القورصي         

 

 

 

     فقد كانت الدنيا قبل الاسلام في جهالة جهلاء، وظلمة عمياء، حتي عم الفساد في الأرض ، وكان الناس يعيشون في الأرض حياة الوحوش في البرَّيَّة ، وكثر الهَرْجُ والمرج بينهم ، وباتت المظالم تطرق أبواب الأناسي ، فلا يلتفت اليها أحد، حتي جاء هذا الدين الي البشرية  لتنضبط الحياة  وتسير وفق شريعة الله ، وبعد أن أظهر الله هذا الدين وتنفست الدنيا الصعداء على يد سيد المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، تكونت أول نواة لدولة الإسلام في طيبة المدينة المنورة , ثم جاء وعد الله وفتحت مكة وأزهق الله المشركين بكفرهم وتحطمت الأصنام حول الكعبة المشرفة ، وبدأ عصر جديد عصر الدولة الإسلامية فانتشر هذا الدين شرقا و غربا ثم جاء عصر الخلافة الراشدة الذي أرسى دعائم الدولة وسَير المجتمع الإسلامي على أروع صورة ذكرها التاريخ ثم رست سفينة هذا العصر ليبدأ عصر جديد هو عصر " الدّوْلّةُ الأُمَوِية " والتي منها خرج هذا الرجل الفذ ، عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالي. ليتجدد العدل في عهده ويزدهر حتي يعم الخلافة جمعاء وتًرد علي يديه المظالم لأربابها، تبعاً لجدِّه لأُمه (1) الفاروق  عمر بن الخطاب ، ليؤم الخلافة في عصره بالفقه والعلم والورع والعدل (2) ، رحمه الله تعالي . 

نبذة بسيطه حول حياة  أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ونشأته

لم يكن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، رجلا مغمورا في أسرته - بني أمية -  وإنما كان علَمًا مشهورا بالصلاح  والاستقامة ،(1) والمرونة والفصاحة ، فهو قرشي أصيل , ينتمي إلى بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الجد الخامـس للـرسـول صلى الله عليه وسلم، وزعيم قريش الذي أسس مجدها وكان أمية يعادل في الشرف و الرفعة عمه هاشم بن عبد مناف ، وكانا يتنافسان رئاسة قريش في الجاهلية ، ومن وهنا نسرد أوراق التاريخ لنسقط الضوء على "قضاء المظالم " التي جرت في عصر الخلافة الأمو ية التي كانت  تحتاج لمن يقف أمامها وقفة المخلص الحازم ؛ ليوقف هذا التيار المدمر , الناخر في جسد الأمة، وقدَّر الله لهاعمر بن عبدالعزيز - رحمه الله رحمة واسعة.

********

 

 

 

المظالم لغة وشرعا

في اللغة : جمع مظلمة , وهي ما تظلَّمه الرجل وأراد ظلامه ومظالمته أي ظلمه .(2) 

والظلم هو : وضع الشيء في غير موضعه.

وفي الشريعة: التعدي من الحق إلى الباطل قصداً وهو : الجَوْر.

وقيل هو : التصرف في ملك الغير , ومجاوزة الحد.

       تعريف ولاية المظالم عند الماوردي وأبي يعلى :

هي قود المتظالمين الى التناصف بالرهبة , وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة .

عند ابن خلدون :

 هي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء.

رأي الشيخ أبو زهره :

أن ولاية المظالم كولاية القضاء , وكولالية الحرب , وكولاية الحِسْبَة جزء مما يتولاه ولي الأمر الأعظم , ويقيم فيه نائباً عنه , ممن تكون فيه الكفاية ويسمى المتولي لأمر المظالم : ناظراً , ولا يسمى قاضياً.(1) 

 

*********

الانقسام الذي لحق الخلافة الأموية أنذاك


      حدث انقسام في الخلافة ، فبايعت الحجاز ثم العراق عبد الله بن الزبير، حتى قتل سنة 73 هـ ، وشاعت ظاهرة البذخ و الترف و الفساد ومجالس اللهو و الغناء في بلاط بعض الحكام ، و انغمس الناس في حياة الرفاهية و الإنفاق ، وأصبح الميل للمال - في عهد الأمويين و بين جماعتهم - هو التقليد السائد ، وجمع الولاة المال من الناس بالحق و بالباطل ، وكانت البلاد قبيل توليه عبد الملك بن مروان - رحمه الله - ( 65 - 86 هـ ) تغلي كالمراجل بالفوضى و الاضطراب ، ففي الحجاز عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - وقد بايعه أهلها ، وفي العراق ثورة الخوارج والشيعة ، وفي الشام عمرو بن سعيد بن العاص يطالب بالخلافة ، والبلاد الإسلامية مهددة من الشمال بخطر البيزنطيين ، ومن المغرب بثورة البربر، فقضى عبد الملك على الفتن و أسكتها ، وقمع ثورة الخوارج ، فلما ولي الوليد - رحمه الله - الخلافة وجد البلاد هادئة مطمئنة .

وتوسعت البلاد كثيرا في عهد الوليد بفتح الأندلس سنة 92 هـ بقيادة موسى بن نصير و مولاه طارق بن زياد، وأنتشر الإسلام في بلاد المغرب ،  وحاول سليمان - رحمه الله -  فتح القسطنطينية ، لولا إحراق الروم سفن المسلمين و فشل الحملة البحرية ، وأصبحت حدود الدولة الإسلامية من نهر السند و الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي وجبال البرينية غربا ، ومن البحر العربي و الصحراء الأفريقية الكبرى جنوباً إلى جبال طوروس شمالا .

ورغم هذه الأحداث الأليمة منها والسعيدة التي مرت بها الأمة , إلا أن العصر الأموي يعد بحق من العصور الزاهرة ذات الفضل الجزيل على الأمة , ويظهر ذلك جليا في خلافة عمر بن عبد العزيز -  رحمه الله - الذي غير مجرى التاريخ بما حباه الله من خصائص و مميزات , تؤهله لهذه المهمة السامية , فأعاد الأمة من جديد إلى حظيرة الإسلام  .

ومن ضمن هذه الملامح السامية التي لمع بها عمر بن عبدالعزيز ؛ قضاء المظالم وردها ، ولك أخي الكريم صورة من تلك المظالم التي ردها أمير المؤمنين إلي ما كانت عليه في عهد رسول - الله صلي الله عليه وسلم -  كما في قصة الفَدْكِ , الذي كان ينفق منها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعود منها علي صغير بني هاشم  , وكان يزوج منها إماء قريش ،  وأبى النبي - صلي الله عليه وسلم  - أن يجعله لابنته فاطمة - رضي الله عنها - كما سيأتي - إن شاء الله .

********

 

العدل في دولة عمر بن عبد العزيز:


      قال تعالى ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)) (النحل ، الآية : 90) وأمر الله بفعل كما هو معلوم يقتضي وجوبه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خبِيراً)) (النساء ، الآية : 135)

 وللعدل صورتان : صورة سلبية ؛ بمنع الظلم  , وإزالته عن المظلوم ، أي : بمنع انتهاك حقوق الناس , المتعلقة بأنفسهم , وأعراضهم , وأموالهم ، وإزالة آثار التعدي , الذي يقع عليهم , وإعادة حقوقهم إليهم , ومعاقبة المعتدي عليها - فيما يستوجب العقوبة .

وصورة إيجابية : وتتعلق أكثر ما تتعلق بالدولة، وقيامها بحق أفراد الشعب في كفالة حرياتهم وحياتهم المعاشية، حتى لا يكون فيهم عاجز متروك ، ولا ضعيف مهمل ، ولا فقير بائس ، ولا خائف مهدد، وهذه الأمور كلها من واجبات الحاكم في الإسلام .

 وقد قام أمير المؤمنين عمر بهذا الركن العظيم والمبدأ الخطير على أتم وجه , وكان يرى أن المسئولية والسلطة في نظر عمر هي القيام بحقوق الناس , والخضوع لشروط بيعتهم ، وتحقيق مصلحتهم المشروعة، فالخليفة أجير عند الأمة , وعليه أن ينفذ مطالبها العادلة , حسب شروط البيعة ، وقد أحب الإستزاده من فهم صفات الإمام العادل , وما يجب أن يقوم به ؛ ليتصف بهذه الخصلة الفريدة , الحميدة ؛ فكتب إلى الحسن البصري  , يسأله في ذلك ؛ فأجابه الحسن : الإمام العدل - يا أمير المؤمنين - كالأب الحاني على ولده , يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكتب لهم في حياته ,  ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل - يا أمير المؤمنين -  كالأم الشفيقة , البّرة , الرفيقة بولدها، حملته كرهاً، ووضعته كرهاً، وربَّته طفلاً، تسهر بسهره ، وتسكن بسكونه ، ترضعه تارة , وتفطمه أخرى ، وتفرح بعافيته، وتغتمّ بشكايته ، والإمام العدل - يا أمير المؤمنين - وصيّ اليتامى ، وخازن المساكين , يربي صغيرهم، والإمام العدل - يا أمير المؤمنين-  كقلب بين الجوانح ، تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده , والإمام العدل - يا أمير المؤمنين - هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله , ويُسمعهم، وينظر إلى الله , ويريهم , وينقاد إلى الله , ويقودهم، فلا تكن - يا أمير المؤمنين ,  فيما ملَّكك الله -  كعبد ائتمنه سيده , واستحفظه ماله وعياله، فبدَّد، وشرَّد العيال، فأفقر أهله , وفرَّق ماله .

**********

الإصلاح الراشدي , وقضاء المظالم , على منهاج النبوة في عهده


      كان أمير المؤمنين يبدأ بنفسه : تنفيذاً لما أراده عمر ؛ من رد المظالم مهما كانت صغيرة ,  أو كبيرة. 

روى ابن سعد : أنه لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم ؛ قال : إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي . وهذا الفعل جعله قدوة للآخرين، فنظر إلى ما في يديه من أرض ، و متاع ، فخرج منه , حتى نظر إلى فص خاتم. فقال: هذا مما كان الوليد بن عبد الملك أعطانيه مما جاءه من أرض المغرب , فخرج منه . وكان ذلك لإصراره على قطع كل شك بيقين ، وحتى يطمئن إلى أن ما في يده لا شبهة فيه لظلم أو مظلمة حتى ولو كان ورِثَه - خصوصاً (1)-  وأن القصص والحكايات كانت كثيرة,  يتناقلها الناس عن مظالم ارتكبت على عهد خلفاء بني أمية وعمالهم  , وقد بلغ به حرصه على التثبت : أنه نزع حلي سيفه من الفضة، وحلاه بالحديد، قال عبد العزيز بن عمر: كان سيف أبي محلى بفضة , فنزعها , وحلاه حديداً ، وكان خروجه -  مما بيده من أرض , أو متاع - بعدة طرق كالبيع، ذلك أنه حين استخلف ؛ نظر إلى ما كان له من عبد، وإلى لباسه , وعطره , وأشياء من الفضول ، فباع كل ما كان به عنه غني، فبلغ ثلاثة وعشرين ألف دينار ؛ فجعله في السبيل , أو عن طريق ردها إلى أصحابها الأصليين.

 وهذا ما فعله بالنسبة للقطائع , التي أقطعه إياها قومه . يروي ابن الجوزي عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز حتى تفرق الناس , ودخل إلى أهله للقائلة , فإذا منادٍ ينادي: الصلاة جامعة. قال: ففزعنا فزعاً شديداً ؛ مخافة أن يكون قد جاء فتق من وجه من الوجوه , أو حَدَثٍ. قال جويرية : وإنما كان أنه دعا مزاحماً فقال يا مزاحم ؛ إن هؤلاء القوم قد أعطونا عطايا -والله - ما كان لهم أن يعطوناها، وما كان لنا أن نقبلها، وإن ذلك قد صار إلي , ليس علي فيه دون الله محاسب. فقال له مزاحم : يا أمير المؤمنين ؛ هل تدري كم ولدك؟ هم كذا وكذا، قال: فذرفت عيناه، فجعل يستدمع ويقول: أكِلُهُم إلى الله؟ قال: ثم انطلق مزاحم من وجهه ذلك , حتى استأذن على عبد الملك، فأذن له ـ وقد اضطجع للقائه ـ فقال له عبد الملك: ما جاء بك يا مزاحم هذه الساعة؟ هل حدث حدث؟ قال: نعم أشد الحدث عليك وعلى بني أبيك. قال: وما ذاك؟ قال:  دعاني أمير المؤمنين ـ فذكر له ما قاله عمر ـ فقال عبد الملك: فما قلت له؟ قال: قلت له يا أمير المؤمنين ؛ تدري كم ولدك؟ هم كذا وكذا قال: فما قال لك؟ قال: جعل يستدمع ويقول أكِلهم إلى الله تعالى. قال عبد الملك بئس وزير الدين أنت يا مزاحم. ثم وثب ,  فانطلق إلى باب أبيه عمر، فاستأذن عليه، فقال له الآذن: أما ترحمونه ليس له من الليل والنهار إلا هذه الوقعة؟ قال عبد الملك: استأذن لي - لا أم لك -  فسمع عمر الكلام، فقال من هذا؟ قال: هذا عبد الملك. قال: ائذن له. فدخل عليه  , وقد اضطجع عمر للقائلةـ فقال: ما حاجتك يا بني هذه الساعة؟ قال: حديث حدَّثنيه مزاحم. قال: فأين وقع رأيك من ذلك؟ قال: وقع رأيي على إنفاذه. قال: فرفع عمر يديه. ثم قال: الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني. نعم يا بني أصلي الظهر، ثم أصعد المنبر , فأردها علانية على رؤوس الناس. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، ومن لك إن بقيت إلى الظهر أن تسلم لك نيتك إلى الظهر. قال عمر: قد تفرق الناس ورجعوا للقائلة، فقال عبد الملك: تأمر مناديك ينادي: الصلاة جامعة، فيجتمع الناس. فنادى المنادي: الصلاة جامعة. قال: فخرجت فأتيت المسجد فجاء عمر فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا، والله ما كان لهم أن يعطوناها وما كان لنا أن نقبلها. وإن ذلك قد صار إلي , ليس علي فيه دون الله محاسب، ألا وإني قد رددتها، وبدأت بنفسي وأهل بيتي: اقرأ يا مزاحم ، قال ـ وقد جيء بسفط قبل ذلك، أو قال جرنة ـ فيها تلك الكتب. قال: فقرأ مزاحم كتاباً منها، فلما فرغ من قراءته ؛ ناوله عمر ـ وهو قاعد على المنبر وفي يده جلم ـ قال: فجعل يقصه بالجلم. واستأنف مزاحم كتاباً آخر فجعل يقرؤه، فلما فرغ منه دفعه إلى عمر فقصه ثم استأنف كتاباً آخر فما زال حتى نودي بصلاة الظهر، ومن بين مارده عمر مما كان في يده من القطائع جبل الورس باليمن وقطائع باليمامة ، إلى جانب فدك وخيبر ، والسويداء، فخرج منها جميعاً إلا السويداء، فقد قال عمر فيها: ما من شيء إلا وقد رددته في مال المسلمين - إلا العين التي بالسويداء فإني عمدت إلى أرض براح ليس فيها لأحد من المسلمين ضربة سوط ، فعملتها من صلب عطائي الذي يجمع لي مع جماعة المسلمين ، وقد جاءت غلتها مائتا دينار .

 وأما قرية فدك ـ التي تقع شمال المدينة ـ فقد كانت تغل في السنة عشرة آلاف دينار تقريباً، فلما ولي عمر الخلافة سأل عنها وفحصها، فأخبر بما كان من أمرها في عهد- رسول الله صلى الله عليه -وسلم وأبي بكر ، وعمر،  وعثمان ...فكتب ـ بناء على ذلك ـ إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كتاباً قال فيه: أما بعد فإني نظرت في أمر فدك وفحصت عنه، فإذا هو لا يصلح لي، ورأيت أن أردها على ما كنت عليه في عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان، وأترك ما حدث بعدهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاقبضها وولها رجلاً يقوم فيها بالحق والسلام .(1) 

 وأما الكتيبة فهي حصن من حصون خيبر، وعندما تولى عمر بن عبد العزيز كتب على عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يقول: افحص لي عن الكتيبة، أكانت من خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيبر أم كانت لرسول الله خاصة؟ قال أبو بكر: فسألت عمرة بنت عبد الرحمن فقالت: إن رسول الله لما صالح بني أبي الحقيق جزأ النطاة والشق خمسة أجزاء فكانت للكتيبة جزءاً منها، وأعادها عمر بن عبد العزيز إلى ما كانت إليه في عهد رسول الله .

 كما أرجع عمر للرجل المصري الذي أرضه بحلوان بعد أن عرف أن والده عبد العزيز قد ظلم المصري فيها، وحتى الدار التي كان والده عبد العزيز بن مروان قد اشترها من الربيع بن خارجه الذي كان يتيماً في حجره، ردها عليه، لعلمه أنه لا يجوز إشتراء الولي ممن يلي أمره، ثم التفت إلى المال الذي كان يأتيه من جبل الورس باليمن، فرده إلى بيت مال المسلمين رغم شدة حاجة أهله إلى هذا المال، لكنه كان يؤثر الحياة الآخرة على الحياة الدنيا، كما أمر عمر بن عبد العزيز -رحمه الله - مولاه مزاحماً برد المال الذي كان يأتيه من البحرين كل عام إلى مال الله .

********

ضرب المثل الذي يقتدي به

 وهكذا بدأ عمر بنفسه يضرب المثل ويكون الأسوة أمام رعيته حين رد من أملاكه كل ما شابته شائبة الظلم، أو الشك في خلاص حقه فيه، فرد كل ذلك إلى أصحابه، إنطلاقاً من تمسكه بالزهد، وإيمانه برد المظالم إلى أصحابها تقوىً لله، ووضعاً للحق في نصابه، بعد أن انتهى من رد كل مال شك بأنه ليس له فيه حق ؛ اتجه إلى زوجته فاطمة بنت عبد الملك ـ وكان لها جوهر ـ فقال لها عمر: من أين صار هذا المال إليك؟ قالت: أعطانيه أمير المؤمنين، قال: إما أن ترديه إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت ، وقد أوضح عمر لها سبب كرهه له بقوله: قد علمت حال هذا الجوهر وما صنع فيه أبوك، ومن أصابه، فهل لك أن أجعله في تابوت ثم أطبع عليه وأجلعه في أقصى بيت مال المسلمين وأنفق ما دونه، وإن خلصت إليه أنفقته، وإن مت قبل ذلك فلعمري ليردنه إليك. قالت له: أفعل ما شئت وفعل ذلك: فمات ـ رحمه الله ـ ولم يصل إليه، فرد ذلك عليها أخوها يزيد بن عبد الملك فامتنعت من أخذه، وقالت: ما كنت لأتركه ثم آخذه، وقسمه يزيد بين نسائه ونساء بنيه .

 

 

رد مظالم بني أمية:


      وإذا كان عمر قد بدأ بنفسه في رد المظالم فقد ثنى في ذلك بأهل بيته وبني عمومته وبإخوته من أفراد البيت الأموي، وفور فراغه من دفن بن عمه سليمان بن عبد الملك، فقد رأى ما أذهله وهو أن أبناء عمه من الأمويين أدخلوا الكثير من مظاهر السلطان التي لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو خلفائه الراشدين، فأنفقوا الكثير من المال من أجل الظهور بمظاهر العظمة أمام رعيتهم ، ومن تلك المظاهر المراكب الخلافية التي تتألف من براذين وخيول وبغال، ولكل دابة سائس،(1) ومنها أيضاً تلك السرادقات ، والحجرات ، والفرش ، والوطاءات التي تعد من أجل الخليفة الجديد، وفوجيء بتلك الثياب الجديدة ، وقارورات العطر ،  والدهن التي أصبحت له بحجة أن الخليفة الراحل لم يصبها فهي من حقه بصفته الخليفة الجديد، وهذا كله إسراف وتبذير لا مبرر له يتحمله بيت مال المسلمين، وهو بأمس الحاجة لكل درهم فيه لينفق في وجهه الصحيح الذي بينه الله ورسوله، وهنا أمر مولاه مزاحماً فور تقديم هذه الزينة له ببيعها، وضم ثمنها إلى بيت مال المسلمين . 

*********

 

 

رفع المظالم عن الموالي:

تعرض الموالي قبل عمر بن عبد العزيز للمظالم فقد فرضت الجزية على من أسلم منهم، كما منعوا من الهجرة مثلما حدث للموالي في العراق ومصر وخراسان وفي عهد عبد الملك أوقع الحجّاج بالموالي ظلماً عظيما، فقد عمل على إبقاء الجزية على من أسلم منهم، وحرمهم من الهجرة من قُراهم ، وهذا ما دفعهم للاشتراك في ثورة ابن الأشعث ضد الحجّاج، كما وقع الظلم على الموالي في مصر وخراسان، فلما تولى عمر بن عبد العزيز أزال تلك المظالم التي لحقت بهؤلاء الموالي وكتب إلى عماله يقول".. فمن أسلم من نصراني أو يهودي أو مجوسي من أهل الجزيرة اليوم فخالط المسلمين في دارهم ، وفارق داره التي كان بها فإن له للمسلمين وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه غير أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة، ولو كانوا أسلموا عليها قبل أن يفتح الله للسملمين كانت لهم، ولكنها فيء الله على المسلمين عامة .

وكتب إلى عامله على مصر حيان بن شريح ـ يقول: وأن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فإن الله تبارك وتعالى قال: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) (التوبة ، الآية : 5) وقال: ((قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)) (التوبة ، الآية : 29). إلا إن هذا العامل أرسل إلى عمر يقول: أما بعد، فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن نابتة عشرون ألف دينار أتممتها عطاء أهل الديوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل . وجاء رد عمر:أما بعد ، فقد بلغني كتابك وقد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي يضربك على رأسك عشرين سوطاً، فضع الجزية عن من أسلم ـ قبح الله رأيك ـ فإن الله إنما بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - هادياً ولم يبعثه جابياً، ولعمري ؛ لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على دينه . وفي رواية ابن سعد: أما بعد، فإن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابياً، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطو كتابك وأقبل . ولم يكن عامل عمر على مصر هو الوحيد الذي طلب من عمر السماح له في أخذ الجزية ممن أسلم.(1) 

********

 

قضاء مظالم أهل الكوفه(1) 

 فها هو عامله على الكوفة ـ عبد الحميد بن عبد الرحمن ـ يسأله أخذ الجزية المتراكمة على اليهود والنصارى والمجوس الذين أسلموا، فجاءه رد عمر الواضح أيضاً يقول : كتبت إلي تسألني عن أناس من أهل الحيرة يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس وعليهم جزية عظيمة، وتستأذنني في أخذ الجزية منهم، وإن الله جل ثناؤه بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - داعياً إلى الإسلام ولم يبعثه جابياً، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه في ماله الصدقة ولا جزية عليه، وميراثه ذوي رحمه إذا كان منهم يتوارثون أهل الإسلام، وإن لم يكن له وارث فميراثه في بيت مال المسلمين الذي يقسم بين المسلمين، وما أحدث من حدث ففي مال الله الذي يقسم بين المسلمين يعقل عنه منه والسلام .

 

*********

 

 

 

كتاب رد مظالم أهل البصرة(2)

كما كتب إليه عامله على البصرة ـ عدي بن أرطأة ـ يقول: أما بعد، فإن الناس كثروا في الإسلام وخفت أن يقل الخراج. فكتب إليه عمر: فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا . هذا إلى جانب إبطاله لمظلمة المنع من الهجرة التي أوقعها الحجّاج بالموالي في العراق، وهكذا أبطل عمر تلك المظالم التي أصابت الموالي، فترتب على ذلك أن أعاد إليهم حقوقهم المسلوبة والهدوء والطمأنينة إلى نفوسهم، وباتوا ينعمون بالمساواة والعدل مع غيرهم من أبناء الأمة الإسلامية .

********* 

 

 

رفع المظالم عن أهل الذمة:(1) 

زاد عبد الملك في عهده الجزية على أهل قبرص ، كان معاوية بن أبي سفيان غزا قبرص بنفسه وصالحهم صلحاً دائماً على سبعة آلاف دينار وعلى النصيحة للمسلمين، وإنذارهم عدوهم من الروم ولم يزل أهل قبرص على صلح معاوية حتى ولي عبد الملك بن مروان، فزاد عليهم ألف دينار، فجرى ذلك إلى عهد عمر بن عبد العزيز فحطها عنهم ، كما أصابت الزيادة فيما يجبى من جزية أهل الذمة في العراق وقد وضعها عنهم عمر بن عبد العزيز كسياسة عامة التزم بها في أن يرفع المظالم عن أهل الذمة حتى يدعهم ينعمون بحياتهم في ظل الشرائع الإسلامية السمحة ويؤيد ذلك ما جاء في كتابه إلى عامله على البصرة ـ عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا ، وخسراناً مبيناً، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين ، وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك من أهل الذمة ممن قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه. فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه . 

 كما بلغت سياسة عمر بن عبد العزيز- رحمه الله - في وضع المظالم عن الناس ومساعدتهم أيضاً حين كتب إلى عامله على الكوفة يقول: انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسْلِفْهُ ما يَقْويَ به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين ، وقد أمر عمر ولاته بالأخذ بالرحمة والرأفة بالناس، فقد منع تعذيب أهل البصرة وغيرهم لاستخراج الخراج منهم، وعندما أرسل إليه عامله على البصرة عدي بن أرطأة يقول: إن أناساً قبلنا لا يؤدون ما عليهم من الخراج حتى يمسهم شيء من العذاب فكتب إليه عمر: أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر كأني جنة لك من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سخط الله، وإذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك فاقبله عفواً وإلا فأحلفه، فوالله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلى من أن ألقاه بعذابهم. والسلام .

      ومما أصاب أهل الذمة من المظالم قبل عهد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - سبى بنات ونساء من لواتة بشمال أفريقية ، ولكن عمر رد هذه المظلمة يذكر أبو عبيد: أن عمر بن عبد العزيز كتب في اللواتيات: من أرسل منهن شيئاً فليس من ثمنها شيء وهو ثمن مرجها الذي استحلها به ـ أو كلمة تشبه الثمن ـ قال: ومن كانت عنده امرأة منهن فليخطبها إلى أبيها، وإلا فليردها إلى أهلها قال أبو عبيد: قوله اللواتيات هن من لواتة: فرقة من البربر، يقال لهم لواتة أراه قد كان لهن عهد، وهم الذين كان ابن شهاب يحدث: أن عثمان أخذ الجزية من البربر، ثم أحدثوا بعد ذلك فسبوا. فكتب عمر بن عبد العزيز بما كتب به ، كما أرجع عمر بن عبد العزيز إلى أهل الذمة كل أرض أو كنيسة أو بيت اغتصب منهم ، ومما رفعه عمر عن أهل الذمة من المظالم السخرة التي على أساس أنه يحل للمسلمين أن يسخروا أهل الذمة لمصالحهم الشخصية طالما أن هذا غير موجود في صلحهم . فكتب إلى عماله يقول:... ونرى أن توضع السخر عن أهل الأرض، فإن غايتها أمر يدخل فيه الظلم ، وهكذا رد عمر بن عبد العزيز ما اصاب أهل الذمة من مظالم، فترتب على ذلك أن أعاد السكينة، والطمأنينة والهدوء إليهم، وأوضح لهم، إن بإمكانهم أن يعيشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين تشملهم سماحة الدين ويظلهم عدله، وتستقيم أمورهم وشؤونهم في كنفه، لا يضارون ولا يستضعفون ولا يستعبدون لهم حقوقهم المعلومة وعليهم واجباتهم المحددة ضمنها لهم الشارع الحكيم، وما تأسس من أحكام كتاب الله وسنة رسوله الكريم . 

 

*********

اقامة العدل لأهل سمرقند

لما وصل خبر تولية عمر بن عبد العزيز الخلافة إلى سكان ما وراء النهر، اجتمع أهل سمرقند وقالوا لسليمان بن أبي السرّي : إن قتيبة غدر بنا، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والانصاف، فإذن لنا فليفذ منا وفد إلى أمير المؤمنين ، يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة. فإذن لهم سليمان، فوجهوا منهم قوماً فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان بن السري: إن أهل سمرقند، قد شكوا إليَّ ظلماً أصابهم،، وتحاملاً من قتيبة عليهم أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي، فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. فأجلس سليمان جُمَيْعَ بن حاضر القاضي ، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحاً جديداً، أو ظفراً عنوة، فقال أهل الصُّغد : بل نرضى بما كان ولا نجدِّد حرباً، وتراضوا بذلك ، فقال أهل الرأي : قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم ، وأمنونا وأمنّاهم ، فإن حكم لنا عدْنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان ورضوا ولم ينازعوا .(1)

 

الاكتفاء باليسير من البينات في رد المظالم:(1)

 

نظراً لمعرفة عمر بن عبد العزيز بغشم الولاة قبله وظلمهم للناس حتى أصبحت المظالم كأنها شيء مألوف، فإنه لم يكلف المظلوم بتحقيق البينة القاطعة على مظلمته، وإنما يكتفي باليسير من البينة ، فإذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها إليه دون أن يكلفه تحقيق البيئة ، فقد روى ابن عبد الحكم وقال : قال أبو الزناد : كان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله - يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة ، وكان يكتفي باليسير، إذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة ، لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس ، ولقد أنقذ بيت مال العراق في رد المظالم - حتى حُمل إليه من الشام . فما أحسن ما فعله عمر بن عبد العزيز وما أحسن التيسير على الناس قدر المستطاع ، لأن فيه اختصاراً  للوقت وتوفيراً للجهود ، كما أن هذا العمل نستنبط منه قاعدة هامة ، في التفريق بين أصول التحقيق في القضاء العادي وبين أصول التحقيق في القضاء الإداري ، وضعها عمر بن عبد العزيز، فالبينة القاطعة قد تستحيل إقامتها، وجمع عناصرها، فإذا كان الظلم واضحاً، اكتفى قاضي المظالم بالبينة اليسيرة  .

 

وضع المكس(2)

لما كان المكس من الظلم والبخس، لأنه ج

التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل